أستطيع أن أقول بالفم المليان وبكل راحة ضمير أنا العبد الفقير إلى الله لحم اكتافى من الفول المدمس، وأعترف بأن العنوان غير صحيح فعلاقتى مع الفول تقترب من سبعة عقود منذ أن كنت طفلا يحبو، ودائما أضحك مع أقرب أصدقائي القائد الكشفى مجدي نجم، والحكيمباشى طبيب الأسرة توفيق ذكى، وأقول لهما نحن أشقاء وإخوان فى الرضاعة من مياه قدرة فول عم أبو السعود صاحب أشهر عربة فول فى حارة السقايين التى ولدنا وعشنا فيها أجمل سنوات العمر وخرجنا منها لكنها ما زالت تسكننا بشخوصها وقيمها وتقاليدها.
الفول المدمس سواء من قدرة ابو السعود أو قدرة عم جمعة ـ الذى تخصص فى تغذية سكان درب المواهى ودرب الحمام والذى كان يفتتح يومه بنداء جميل وكلمات تدخل الطمأنينة للقلو: يا فتاح يا عليم يا رزاق ياكريم ـ كان الطبق الرئيسى على مائدة أو بالاحري على طبلية السحور طوال رمضانات عديدة فى أزمنة ومواسم متنوعة ما بين شتاء وصيف وربيع.
وفى رحاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التى شرفت بالدراسة بها منذ نحو نصف قرن وفى جوارها كنا نعبر الشارع فرادى وجماعات لتناول سندوتشات الفول عند بابا صالح ملتقى طلاب وطالبات جامعة القاهرة من الباحثين عن الأسعار المخفضة التى تقل ولو نسبيا عن اسعار كافتريات الكليات.
وحتى عندما سافرت إلى الرياض للعمل فى صحيفة الجزيرة السعودية وجدنا مطاعم الفول والطعمية التى تحمل الأسماء المصرية الشهيرة والتى يمكن اعتبارها من عناصر القوة الناعمة المصرية.
والسؤال الذى يطرح نفسه هل يمكن تخيل شوارع القاهرة والمدن المصرية كافة ذات صباح، وهى خالية من عربات الفول التى يتحلق حولها عباد الله من كل الفئات والأعمار يتناولون إفطارهم ويحمدون الله على رزقه.
والشيء بالشيء يذكر هل يمكن تخيل حياة ملايين الفلاحين فى القرى المصرية بدون وجبة الجبنة القديمة والمش مع البصل و الجرجير والفلفل والطماطم والبطيخ فى شهر الصيف.
أحمد الله وأشكر فضله أنني من الأجيال التى تربت ولعبت وصامت ودرست ونجحت بفضل الفول المدمس وزلعة المش وشلية اللبن الحليب واللبن الرايب، ومن الأجيال التى استمتعت بالنوتيلا الشعبية أو بالاحري العسل الاسود بالطحينة الطازجة من السرجة التى مازالت من أهم معالم عابدين وحارة السقايين،كما أننا استمتعنا بـ(المفتقة) وكحك العيد والفطير المشلتت ولحم البط المزغط والدجاج البلدي وزغاليل الحمام وكفتة الأرز واللحم الجملى، ومن الأجيال التى استمتعت بطعم ورائحة الشمام الإسماعيلاوى والجزر الأحمر والبطاطا المشوية والجميز ومص القصب.
آمل أن ينافس مقالى هذا فيلم (خرج ولم يعد) بطولة النجم يحيى الفخرانى وليلى علوي وفريد شوقى فى فتح شهيتكم والاستمتاع بالطعام الذى أحله الله لنا.
-----------------------------
بقلم: عبدالغني عجاج






